الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

323

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في بعض الأوقات أن يكون النهي عبثا كذا ذكره الفاضل الجواد ويدفعه عدم دلالة النهي على الفور عند القائل بكونه للمرة أو لمطلق الطبيعة حسب ما سيشير المصنف رحمه الله إليه من أن القائل بنفي دلالته على الدوام ينفي الدلالة على الفور وهو وإن لم يكن متجها كما سنشير إليه إلا أن القائل المذكور لا يلزمه القول بدلالته على الفور قطعا فلا وجه لإيراد المذكور عند من نفي الدلالة على الفور كما هو المختار وتارة بأنه يثمر ذلك في حصول الامتثال فإنه وإن حصل الترك مع انتفاء النهي إلا أنه لا يتفرع عليه حصول الامتثال بالترك إلا مع حصول النهي فيمكن معه قصد الامتثال وأورد عليه بأنه لا اعتبار لقصد الامتثال في جانب النهي إذ ليس المقصود من تشريعه قصد التقرب المعتبر في العبادات لوضوح عدم اندراج النواهي الشرعية في العبادة إلا ما ورد من النواهي المأخوذة في بعض العبادات كالصوم فالمراد به في الحقيقة بيان حقيقة تلك العبادة المأخوذة بها واعتبار الوجه فيه إنما هو من جهة الأمر فلا ربط له بالمقام وفيه أن مقصود المورد إمكان قصد الامتثال حينئذ فيترتب عليه الثواب على فرض حصول القصد المذكور وهو كاف في الخروج عن العقوبة لا لزوم حصوله واعتباره في نفس التكليف فيكون القصد المذكور مأخوذا في النواهي ليعتبر القربة في التروك المطلوبة بها ليلزم اندراجها في العبادة وهو ظاهر فالحق في دفعه أن يقال إن ذلك لا يكتفي في تصحيح التكليف إذ لا بد في صحة التكليف بالفعل أو الترك كونه في حيز الإمكان فيكون خارجا عن درجتي الوجوب والامتناع فلو كان الفعل واجبا لم يصح تعلق الأمر أو النهي به غاية الأمر أنه إذا كان تركه واجبا كان تعلق الأمر به قبيحا من قبح التكليف بما لا يطاق وإن كان فعله واجبا كان قبحه من جهة الهذرية وهي أيضا إرادة أحد الجهات في امتناع التكليف حيثما تقرر في محله وكذا الحال لو كان الفعل أو الترك واجبا في تعلق النهي به لكن على عكس الحال في الأمر وليس مجرد صحة قصد الامتثال في صورة وجوب الفعل بالنسبة إلى الأمر أو امتناعه بالنسبة إلى النهي كافيا في صحة التكليف فإن صحة القصد المذكور فرع تحقق التكليف فإذا كان التكليف قبيحا لم يصح ذلك ولو أخذ ذلك قيدا في الفعل ولو صح القول في ذلك يتوقف على إطالة الكلام ولا يناسبه المقام سيما مع وضوح المرام ولعلنا نتعرض في المقام اللائق به وبالجملة تقبيح ما ذكر في الجملة من الأمور الظاهرة عند العقل ألا ترى وضوح قبح أمر المكلف بالكون في المكان أو الزمان ونهيه عن الجمع بين النقيضين والطيران في الهواء مطلقا أو مقيدا بقصد التقرب مع جريان ما ذكره المستدل هنا فيها أيضا والتحقيق في الإيراد على الدليل المذكور ما عرفته في الجواب عن غيره من عدم دلالة ذلك عن وضع الصيغة للدوام إذ لو كان موضوعا لما يستلزم الدوام مع الإطلاق حسب ما قررنا كان كافيا في حصول الثمرة المطلوبة ومنها ظهور التناقض عرفا بين قولنا اضرب زيدا ولا تضربه وقد عرفت أن مفاد اضرب هو طلب حقيقة الضرب في الجملة الحاصلة بمرة واحدة فلو كان النهي أيضا موضوعا لذلك لم يكن بينهما مناقضة لرجوعهما حينئذ إلى قضيتين مهملتين هما في قوة الجزئية ولا تناقض بين الجزئيتين بوجه من الوجوه وفيه أن المناقضة بينهما قد تكون من جهة أن تعلق الأمر بالطبيعة يفيد مطلوب الفعل في كل آن من الآنات مع عدم تعلقه في الأول كما هو قضية الإطلاق فيرجع إلى العموم لكن على سبيل التخيير بين جزئياته وهو لا يجامع الجزئية المستفاد من النهي ومع الغض عن ذلك فقد يكون مبنى المناقضة على انصراف إطلاق النهي إلى الدوام لا وضعه له فإن كان المقصود من الدليل المذكور إفادة الوضع له لم يتم ذلك ودعوى أصالة كون الدلالة تضمنية عند الدوران بينها وبين الالتزامية وقد عرفت وهنها وهناك حجج أخرى للقول المذكور موهونة جدا فهي لإعراض عنها أحرى قوله بأنه لو كان للدوام لما انفك عنه إلى آخره قد يورد عليه بأن الكلام حينئذ في الدلالة اللفظية والتخلف جائز واقع بالنسبة إليها كيف وباب المجاز واسع حتى قيل بأغلبيته على الحقيقة فالملازمة المدعاة فاسدة جدا ويمكن دفعه تارة بأن الكلام هنا في الملازمة العقلية حسب ما مر ويحتمله الدليل المتقدم في كلامه بناء على أن ترك الطبيعة لا يتحقق إلا بترك جميع أفرادها فيقال لو تم ذلك لجرى في جميع النواهي وليس كذلك وأخرى بأن التخلف في الدلالات اللفظية أنما يكون بالنسبة إلى الإرادة دون نفس الدلالة والمفروض حصول الثاني فيما ذكره من المثال إذ لا يدل نهي الحائض عن الصلاة والصيام على المنع منها على سبيل الدوام فذلك وجهان في تقرير الاحتجاج المذكور ويمكن الإيراد عليهما بأن أقصى ما يلزم منها عدم وضع الصيغة لخصوص الدوام وعدم استلزام مدلول الصيغة للدوام مطلقا حيث حصل الانفكاك بينهما ولا يلزم منهما عدم وضع الصيغة لما يستلزم الدوام حال الإطلاق وإن أمكن الانفكاك بينهما بعدم قيام القرينة متصلة أو منفصلة على عدم إرادة المطلق حينئذ قد يفيد الدوام أيضا على حسب القيد والحاصل أن النهي يفيد الدوام مطلقا مع الإطلاق والدوام على حسب القيد مع التقييد ولا يفيد الدوام أصلا مع قيام القرينة على إرادة الترك في الجملة من دون لزوم المجاز في شيء من الصور حسبما مر بيانه وقد تقرر الاحتجاج بوجه ثالث وهو أنه لو كان حقيقة في خصوص الدوام لما كان مستعملا في غيره على وجه الحقيقة والملازمة ظاهرة والتالي باطل عن نهي الحائض عن الصلاة والصوم مع كون النهي المتعلق بهما على وجه الحقيقة دون المجاز وفيه أن الدعوى المذكورة محل خفاء إذ كون النهي منهما على وجه الحقيقة أول الكلام وأورد عليه أيضا برجوعه حينئذ إلى الدليل الثالث وأنت خبير بما فيه لاختلاف كيفية الاستدلال في المقامين وإن اتحدت المقدمات المأخوذة فيهما على أن ذلك أيضا ممنوع بناء على حمل المناقضة في الدليل الآتي على مناقضة الحقيقة دون الصور الحاصلة في المجازات الباعثة على صرفها من الحقيقة وقد يقرر ذلك بوجه رابع حاصله أن بعض صيغ النهي ورد لا لتكراره ومجيئه للتكرار أمر مقرر معلوم فيجب أن يكون للقدر المشترك بينها دفعا للاشتراك والمجاز وأنت خبير ببعده عن العبارة جدا فحملها على ذلك تعسف ركيك مضافا إلى أنه عين الدليل الثاني فلا وجه لحمل العبارة عليه ثم الإيراد بعدم الفرق بين الدليلين كما فعله المدقق المحشي رحمه الله وقد يقرر بوجه خامس وهو أنه لو كان للتكرار لما انفك منه مع إطلاق النهي والتالي باطل فالمقدم مثله وهو أيضا خارج عن ظاهر العبارة ولا يوافقه الجواب المذكور